محمد بن مفلح المقدسي الحنبلي

328

الآداب الشرعية والمنح المرعية

الأمراء أبعدهم من العلماء وشر العلماء أقربهم من الأمراء . وقال ابن الجوزي في كتاب السر المصون : أما السلاطين فإياك إياك ومعاشرتهم فإنها تفسدك أو تفسدهم وتفسد من يقتدي بك ، وسلامتك من مخالطتهم أبعد من العيوق ، وأقل الأحوال في ذلك أن تميل نفسك إلى حب الدنيا . قال المأمون : لو كنت عاميا ما خالطت السلاطين ، ومتى اضطررت إلى مخالطتهم فبالأدب والصمت وكتم الأسرار وحفظ الهيبة ، ولا يسألون عن شيء مهما أمكن ، وقد سأل الرشيد الأصمعي عن مسألة فقال على الخبير سقطت قال له الربيع : أسقط اللّه أضراسك أبهذا تخاطب أمير المؤمنين ؟ . وقال الشعبي : دخلت على عبد الملك فصادفته في سرار مع شخص فوقفت ساعة لا يرفع إلي طرفه ، فقلت : يا أمير المؤمنين عامر الشعبي ، فقال : لم نأذن لك حتى عرفنا اسمك فقلت : نقدة من أمير المؤمنين ، فلما أقبل على الناس رأيت رجلا في الناس ذا هيبة ورواء ولم أعرفه فقلت : يا أمير المؤمنين من هذا ؟ فقال الخلفاء : تسأل ولا تسأل هذا الأخطل الشاعر فقلت في نفسي هذه أخرى . قال : وخضنا في الحديث فمر له شيء لم أعرفه فقلت : اكتبنيه يا أمير المؤمنين ، فقال الخلفاء تستكتب . فقلت : هذه ثالثة ، وذهبت لأقوم فأشار إلي بالقعود فقعدت حتى خف من كان عنده . ثم دعا بالطعام فقدمت إليه المائدة فرأيت عليها صحفا فيها مخ ، وكان من عادته أن يقدم إليه المخ قبل كل شيء ، فقلت هذا يا أمير المؤمنين كما قال اللّه تعالى وجفان كالجواب وقدور راسيات ، فقال : يا شعبي مازحت من لم يمازحك ، فقلت هذه رابعة ، فلما فرغ من الطعام وقعد في مجلسه واندفعنا في الحديث وذهبت لأتكلم فما ابتدأت بشيء من الحديث إلا استله مني فحدث الناس وربما زاد فيه على ما عندي ولا أنشده شعرا إلا فعل مثل ذلك ، فغمني وانكسر بالي . فما زلنا على ذلك بقية نهارنا فلما كان آخر وقت التفت إلي وقال لي : يا شعبي قد واللّه تبينت الكراهة في وجهك لما فعلت وتدري أي شيء حملني على ذلك ، قلت : لا يا أمير المؤمنين ، قال : لئلا تقول إن فاز هؤلاء بالملك لقد فزنا نحن بالعلم ، فأردت أن أعرفك أنا فزنا بالملك وشاركناك فيما أنت فيه ، ثم أمر لي بمال فقمت من عنده وقد زللت أربع زلات وقال : حدث بعضهم المأمون فقال : اسمع أيها الأمير فقال : المأمون أخرجوه . فليس هذا من سمار الملوك وحدثه الحسن اللؤلؤي وهو خليفة فنام فقال له : يا أمير المؤمنين ففتح عينيه وقال : يا غلام خذ بيده فليس هذا من سمار الملوك وإنما يصلح أن يفتي في محرم صاد ظبيا . وقال ابن المعتز أشقى الناس بالسلطان صاحبه ، كما أن أقرب الأشياء إلى النار أسرعها احتراقا . قال الشاعر :